الاستقلال النوعي في محاكاة الصورة والتشكيل

المقاله تحت باب  مقالات و حوارات
في 
03/11/2007 06:00 AM
GMT



الجزء الأول 1 - 2

"بدءاً لا أمتدح الشاعر عبدالكريم كاصد في مقالتي هذه، بقدر ما أقول بعض الحقيقة تلك التي أعرفها، وليأخذ عليّ الآخر: الباحث والمطلع على جوهر الأدب، أن كتابتي عن الشاعر كاصد تتناول بوح الحقيقة، فأنا لا أكتب دراستي بالمعنى الأكاديمي، بل أكتب عبر استشراف المضمون الافتراضي، ولا أجزم أني ناقد، بعد سلسلة من الدراسات التي تناولت بها بعض الادباء العرب، وما زلت منكبا على مواصلة شغفي النقدي بالأدباء الآخرين، إلا إنني أبقى كاتبا افتراضياً لا أجيد المسميات الكبيرة، بل أحتمي ببساطة المفردة ولغتها التي تصل الى القارئ بسهولة عبر دراستي المتواضعة".

يوميء الشعر إلى إطلالة أشبه بالفرح الروحي، يختار فيها لحظات الهدوء والتجلي، التي تستكين في تخيل حتمي ترقى فيه الروح إلى سمائها المضيئة بالابداع، هو همس اللغة الذي يكسب الكلام وعياً منتجاً للتفاعل والتداخل بين الواقعي والتخيلي، يشكل إعادة بناء مستمرة للمجتمعي العام في الحياة اليومية، والشعر أيضاً هو رؤى جمالية تأخذ بالعقل إلى خيال تتسع فيه إمكانات التحول الداخلية الكامنة فيه، ونوع من النشوة الفنية التي ينتجها أنبياء الكلام – الشعراء - في محاكاة لتلك الصور التي تتشكل في وعي الشاعر. والشاعر في هذه التجليات عبر رؤاه التخيلية الشاملة يخلق نصاً شعرياً من الأثر العاطفي الذي يأسرهُ التنبؤ الحتمي، "والشاعر قد يقول في الحياة العامة والخاصة ما شاء له القول المباشر في شؤون السياسة والدين والفلسفة، ولكنه حين يكتب الشعر فأن رؤياه الجمالية هي استقلال خاص عن هذه الآراء والإفتاءات والتصريحات.1" ولهذا فسر ارسطو "اللغة الشعرية رمزاً للفكر"، فالشعرهو فن الكلمات التي تتجانس وتؤثر مثل تلاقي ألوان الطبيعة في عناقها، وتُخَلد صورها على مر العصور في الذاكرة، كما هو معروف عند الشعراء المخلدين مثل هوميروس وابو الطيب المتنبي وشكسبير والجواهري وبودلير وبدر شاكر السياب وطاغور. هذا إذا اعتبرنا القصيدة لشاعر ما ناجحة ومؤثرة في الحس الإنساني، وليست لغواً يضر أكثر مما ينفع، بمعنى أن القصيدة الناجحة تخاطب الحس والسمع، إذا اكتملت فيها جمالية العناصر الذاتية. وفي هذا التصور نجد افلاطون لا يرتكز على رأي واضح في الخلق المعرفي للشعر إذ نجده يقول في مكان" ما مصدر الشعر لدى الشاعر: الفن أم الالهام؟". وفي بعض محاوراته النقدية يضع الشعر في "المرتبة السادسة مع الرسامين"2، ولكن في مكان آخر يقول "إن الشعر إلهام ومصدره إلهي محض"3، والقصد ان الإله هنا هو النبوءة التي تنفرد بالعقل لتبدأ في محاكاة منتج التفاعل والتداخل بين المادي والتخيلي، لأن العقل هنا هو مصدر الإلهام ومكونهُ، لهذا يرى افلاطون ان الشاعر "كائن أثيري مقدس ذو جناحين، لا يمكن أن يبتكر قبل أن يلهم4". إذاً علينا أن نفهم من ذلك أن افلاطون يسمو بمكانة الشعر مقروناً بمكانة الأنبياء، والإلهام هنا هو غيبي غير معروف، يأخذنا إلى محاكاة شيء ما. والشعر كما قسمه " كروتشيه4 " إلى أربعة أقسام 1- التعبير العاطفي، 2- الأدب الخطابي، 3- أدب التسلية، 4- الأدب التعليمي،5" إلا أن كروتشيه لم يتطرق إلى الشعر الإيحائي الفطري، والحق ان أقدر الشعراء تعبيراً عن الإيحاء هم أولئك الذين تتملكهم العواطف ذات الإحساس المرهف جداً، ولذا فإن فن الشعر هو شأن الموهوبين فطرة، وهذا اللون من الشعر يؤمن به كثير من الفلاسفة ومنهم شيشرون في روما، وأرسطو في اليونان الذي أخذ بالإيحاء الفطري وعدّ الشعر أكثر مرتبة من العلم ومن الصناعة، لأن "فيه بعداً عن ادراك جوهر الحقائق"6، والحق ان رأي أرسطو هو الأكثر ملائمة للحقيقة، إذا أخذنا مثالا على هذا شعراء الجاهلية ومعاصريهم من أمصار أخرى مثل "الشاعرة سافو Sapho التي ولدت حوالي منتصف القرن السابع قبل الميلاد، والشاعر سيمونيدس Semonides والشاعر بنداروسPindaros ولد في القرن الخامس قبل الميلاد7". هؤلاء الشعراء لم يدخلوا دور التعليم، إذا أخذنا بنظر الأعتبار شرح النقطة الرابعة عند كروتشيه وهي "الادب التعليمي"، نجد الرأي ليس دقيقا لما هو عليه، بينما نجده موضوعيا عند أرسطو، وهذا الحال الإبداعي الخالد ينطبق على أدباء عرب بزمنين مختلفين بآن واحد، ومن واقعية هذا المثل نخرج بنتيجة أهميتها مفيدة، وهي ان الشعر إن لم يكن إلهاما فهو تعليمي كما أشار إليه كروتشيه. صحيح ان الشعر في عصرنا هذا يُدّرْس في المعاهد والجامعات، ولكن الإلهام في كل العصور لا يزور إلا صاحبه، وإلا أصبح كل الناس شعراء، والشعر صراع داخلي يتفجر في الخيال، فَيكوّن إرهاصاً فنياً يصل إحساسه للشاعر عبر تكوينات الوحي الإلهامي في الخيال، وهذا الصراع التأملي موجود عند كل شاعر، ولكنه مختلف باختلاف الطاقة التعبيرية والمبالغة الحسية العاطفية التي تعتمد على المتحول اللغوي والمعرفي، ومايحضرني هنا هو وصف الحالة النفسية التي تقوم بالاساس على طاقة الانفعال النفسي في ولادة اللحظة الاولى لحالة الرهص الذي يغذي الذائقة الإبداعية عند الشاعر، كونه على صلة بالحقائق النفسية والكونية التي تلهمه في تجربته، والشعر فن مثله مثل كل الفنون الأدبية في محاكاته للمكان والزمان وبينهما الانسان، وهنا لفن المحاكاة وبلاغتها صور مختلفة في الفعل التأثيري على الآخر، عند كل فن من هذه الفنون المتقاربه أكاديمياً وفنياً باستثناء الشعر الذي يتفرد بخاصية الأيقاع وغنائية الصورة، ولكن صحيح ايضاً "أن كل فن من هذه الفنون له تأثيره المباشر على الفن الآخر، وله سمته المختلفة ونظرته المختلفة". كما يقول الشاعر الكبير سعدي يوسف في مقابلة مع جريدة الرأي الأردنية سنة 1992 .

الحقيقة انني صغت هذه المقدمة بهدف الإيحاء إلى أن الشعر لغة فنية مركزة لها دلالاتها الحسية والنغمية والمعرفية عند الشعراء، وكما تقول الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة في مقدمة ديوان المجلد الثاني "ان الشعر مفردات موجودة في لغتنا اليومية، ونحن الشعراء نختارها من هذا الوسط اللغوي".

ولهذا وجدتني أدخل عالم الشاعر العراقي الكبير عبد الكريم كاصد، لما فيه من نواحي تنويرية ذات قدرة هائلة في محاكاة الحدث وبسطه نصا مؤثرا على المتلقي بتنوع مستوياته، عبر جمل شعرية ذات نسق عالٍ من التوحد الفني في الشكل والمضمون، وهذا هو ما أتفق على تسميته بالخلق الإبداعي، والذي سوف نتطرق إليه في الزوايا القادمة من هذه المقالة.

لعل من النادر أن تخلق معرفة ذات أستقلالية نوعية كاملة تبدأ مميزة ببدئها، وهذه النوادر تأتي جديرة حتى في أسلوب يوميات حياته الفاضلة، هذا إذا أخذنا بنظر الأعتبار تصنيف الشعراء "بالمجايلة"، ومن أبرز الشعراء العرب في العصر الحديث على المستوى المؤثر والفاعل والمميز، الشعراء: أدونيس.. سعدي يوسف.. محمود درويش.. عبدالكريم كاصد.. عباس بيضون.. وشوقي بزيغ.. وحسن عبدالله.. وفوزي كريم. وعندما نتكلم عن التمييز في الشعر بين شاعر مبدع تميزه كتاباته وآخر، نشير إلى روحية الإبداع التي تسكن خيال ورؤى ذلك الشاعر، وتجعلها تكشف عن الفوقية الجمالية في الرؤى الفنية اللامرئية، وبسطها على السهل المضاء والمراد التبصر به، والذي يتوحد في حالات الإبداع المتعددة فتجعله قادراً على التوهج المستمر في العطاء المثمر والمتمكن على فعل تأثير النص على الآخر، وبما أن الشاعر يمتلك عظمة الخلق الفني فهو بالضرورة يكون أكثر إيلاما وتجذرا في الجانب العاطفي الاحساسي، كونه يذهب بعيدا في التجاوب الروحي والانساني والعاطفي منه، حيث يتجسد المنحى الشفاف الرقيق إلى حد التوحد الروحي في غنائية الكلام ورقي جوهره، بعيدا تماما عن الغامض، بدءاً بتطهير المفردة من الشوائب والعناية في اختيار الرشيق ذي الظل العاطفي الخفيف منها، الموقد في ودادية الخيال والتأمل، وبهذا نستطيع القول أن المرأة هي المعبد الجلالي للحنان في الشعر منذ قدم الزمان، عند الشعراء الذين يجتذبهم الحب أكثر من غيره من المكونات الحياتية الاخرى، كالشاعر الراحل الكبير نزار قباني، خاصة إذا أحس الشاعر بالودادية من الطرف المستلهم، والشاعر هنا ومن خلال تجذره الإحساسي المنشغل أبداً في شفافية الخلق الجمالي، يعمل على التخلص من التهويم والمبهم والعلل أي علل أختيار المفردة وعلاقتها التجانسية في النص، كونها تقوم على أساس المتخيل الرومانسي في فضاءاته اللامحدودة على الاقل مع نفسه.

ومن هذه النوادر من الشعراء العرب شاعرنا عبد الكريم كاصد، وقراءتنا لهذا الشاعر تأخذنا الى فضاءاته الفنية المتنورة المتعددة المواهب، فهو يكتب الشعر الفصيح بكل أجناسه، ويترجم من اللغتين الأنكليزية والفرنسية إلى العربية، ويكتب دراسات في الأدب بشكل عام تتنوع في أشكالها المعرفية والفكرية، وقد أجاد كريم في كتابة الزهيري باللغة الفصحى، ولم يخطر ببالي أن شاعرا كتب هذا الجنس الفني قبله باللغة الفصحى، والمتعارف أن الزهيري يكتب شعراً باللهجة الشعبية، وهذه الفنون قد تصعب على الكثير من الأدباء العرب، كونها ألوانا أدبية صعبة وخاصة أنّ لها إيقاعاً ذا نظام معين وخاص لكل فن على حده، كالأبوذية، والزهيري، والدارمي، ووزن الميمر" نأخذ مثال من الزهيريات..

ياصاح حالي شكت في غربتي حالكْ

نجمي ضريرّ ونجمُ الناس أوحى لكْ

والدربْ ما ضرّني لكنّ أوحالكْ

حيران أبكي على هم مضى أو عاد

ماعدت أدري صديقّ عادني أو عادْ

في كلّ يومٍ لنا عرسّ وناع عادْ

هل أشتكي حالتي أم أشتكي حالكْ

تتصاعد الحركة المركبة الموحية بالصوت من الداخل المتحرك إلى الخارج الإيقاعي، من خلال ألفة الكلمات مع بعضها، فموسيقى الكلمة تنده موسقة الكلمة الأخرى كنسيج تتلاقى به الألوان بشفافية التآخي اللغوي، ولذلك فهو خفيف على السمع والتلقي، ولهذه التقنية المنظمة بحرفية كبيرة نجد جو المثلثين الأولين مترابطاً ترابطاً عضوياً مع القفلة في الشطر السابع، والتي يختم بها الشاعر حسه الغنائي في دراسة المجتمعي المطروق في المتناول الشعري، فالشاعر هنا أراد أن يأخذ المتلقي إلى قدسية: "حالي" التي جمعت معاني تشكيل الصورة، وتعني هنا طبيعة وكيفية تحولات النفس، وما توحي به من تبيان الفرح أو الحزن أو الكآبة، وعند المبدع أو الفيلسوف تظهر مؤثرات حالة التجلي لديه، وتعبيراته على طبيعة انتاجه الفني أو الفكري. فالحال هنا اشتكت للصاح الغير معلوم، والصاح هنا قد يكون الحبيب أو الأخ أو ربما الغريم، بمعنى أن الصاح نجدها تحتمل عبر هارمونية الكلمة المفتوحة على إشراقات متعددة التَمَثُّل، وهذا مصدر القوة والنجاح في اختيار رنين المفردة الرشيقة بكل رهيصها الابداعي التنويري، متأثرة في ما هو غير مستقر في الشعور المنتمي الى الغربة. واللاعب الأساسي هنا هو المضمون الذي يجمع خيوط "الزهيرية"، في عناق متصاعد الرقصة والوحي الإنفعالي في التجاذب وإحكام التوزيع اللغوي في تداعيات الصورة الشعرية، مع الجملة التي تصاحبها في النسق الفني، وإذا اعتبرنا أن المصاهرة الفنية والمعرفية بآن: بين "الحال" و"عاد" نجد أنّ كلا المفردتين تشتركان في الحدّ والعرض والخاصة، إذن نحن أمام جدلية الحدّ أي طبيعة البوح في النفس، والعرض يحتمل الزمكاني " حيران أبكي على هم مضى أوعاد" مضى = الزمان، وعاد = المكان، وما بينهما "الحال" في صورة "حيران أبكي على هم" والعرض يحتمل تحليلات عديدة منها أنه "موجود في الشئ" كما يقول أرسطو في كتاب "الطوبيقا". وباء الطوبيقا تكتب بثلاث نقاط، أي الباء المكثفة أو المشددة.

يانشوة الروح في راحٍ لها من صبا

هّبَتْ جنوباً وهّبتْ من بعيدٍ صبا

ما كان لي أن أغنّي من تغنّى صبا

قاضيتُ نفسي وأوردتُ الذي لم يردْ

قلبي الذي علّني من وردهم لم يردْ

أبدلتُ منفى بمنفى عارضٍ لم يردْ

أضحيت من وحشةٍ أرعى نجوم الصبا

وماعليك أُيها النادم الاسطوري، إلا ان تأخذ المبادرة بإعادة تكوين ضياء الصبا المتنادهة صوتياً، التي تبدأ بإشراقةٍ على الروح المقدسة، عبر مشاهدة فاعلة في صناعةِ حركة النغم الظاهر سمعيا من بداية الصورة الشعرية، ففي المقطع الأول: كان في الراح الماضي للروح نشوة الصبا أي الشباب الأول، إذن ماهو المقابل الآني للصبا الذي راح؟ هل هو فعل التمني لتلك الصبابة المنعشة بأحلامها الوردية والمراهقية الجميلة أن تعود؟ أم هو فعل الزمن وتأثيراته على النفس وخوف المغادرة الى العالم المجهول بالمطلق، الذي وضع عدة نقاط استفهام في ما يدور هناك، أم هو استبدال صّبَا العمر بصبا الكتابة، والتنوير الإبداعي المميز نحو التحديث والتجديد والاستقلالية، وذلك عبر البحث المستمر في إختيار الأدوات واستثمار خصائص اللغة والاعتماد على العناصر الأيحائية الخالصة في بناء الشكل والمضمون. وقد يكون ما أرادهُ الشاعر من مناجاة بهذه البلاغة المحكمة، أن يكون فكان ومن أوسع الأبواب، لأنه أبطل التحديد وباح للصورة حريتها في التوسع الكمالي في فضائها التخيلي، بحسب القول الموصوف آنفاً " يانشوة الروح". وفي الصَبّا الثانية والتي هي الريح هَّبتْ صَبّا ونسيمها الشمالي العليل، وقد نجح الشاعر هنا في هذه المزاوجة الموفقة بالتطابق الفني بين صّبَا النسبة الزمنية من العمر، ورقة الريح الناعمة في نشوتها، والملطفة للروح أياً كانت، والشاعر هنا مختلف في جغرافيته، فقد هبت صّبابَته جنوباً، فكان الولع والحب لهذا الجنوب والشوق إليه، كون الشاعر جنوبياً، وبهذا فالحنين الى مسقط الرأس موضوعي. وفي الصبا الثالثة ذهب الشاعر الى الطرب فلامس مقام الصبا، وأَضافه إضافة ناجحة الى الصبا الأولى والثانية، فتشكل المثلث الأول من بناء غنائي محكم في الجنس الزهيري، بمعرفية أرادها الشاعر أن تنسجم فنياً بدقة موفقة. أما ما التداعي الحر في هذا المقطع بالذات: هو أن الشاعر ما أراد لنفسه أن يغني كما غنى من قبله ممن كتبوا وتنوعوا، بل أراد الاختلاف والتجديد بحسه الخاص، الذي يعتمد الاستقلال النوعي في محاكاة الصورة والتشكيل، والبوح من الوعي الشامل من جمال العناصر المحورية للنص، والتي تأتي هنا من وسط الجملة الشعرية "أن أغنّي" إذن هو التوازن الايقاعي الفني صوتياً لربط البداية بالنهاية في المقطع الواحد، عبر لغة تخيلية جديدة، وهذا جديد مميز، أما العادة فتكون القفلة للمقطع من نهايتهِ "الصّبَا"، هي التي تعنون مكونات التجلي للبوح والكشف عن ما يميز الصورة شكلا ومضموناً. والشاعر هنا غيّرَ سياق هذه الظاهرة فأصاب بنجاح. وفي الانتقال إلى المثلث الثاني، أو الجناح الثاني، الذي يتناسق في جزالة الموعظة البلاغية، فقد ربطه ربطاً فنيأ مركزا في عناق الصورة مابين بداية المثلث الثاني "قاضيتُ نفسي" ونهايتهُ "بمنفى عارض لم يرد" وهنا تجلت القفلة بالصورة الصادقة المعبرة، ب"أَضحيتُ من وحشةٍ أرعى نجوم الصبا".

أعزي النفس في موتي أنا الحيْ

ذلولي هاجرتْ عمداً من الحيْ

يقول الناس في عتب: ألا حيْ

ولا يدرون أكثرهم أذيّةْ

اعتاد السماع على أن الأبوذية تكتب مربعة، كلّ بيت من أبياتها الثلاث الاولى يعبر عن خاصية الحدث المطلوب تناوله، شرط أن تكون ضمن سياق المتناول "الموضوع"، ويُختتم بالمقطع الرابع الذي يبسط دلالة المضمون ويحلل اتجهاته، وقد عرفنا أن الأبوذية تكتب بالشعر المحكي، والشعر المحكي كما هو معروف ينقسم الى ثلاث أجناس: الشعر الشعبي= المدينة. الشعر العامي= الحضريين والقرويين. شعر الحسجة وهذا يخص منطقة بذاتها وهي محافظة القادسية وقضاء ابي صخير. ولكن ما نقرأه هنا أن الشاعر كتب الابوذية بالفصيح، وهذا غير متعارف عليه كثيراً، لأن الأبوذية شعر غنائي، وبهذا يصعب على المطرب تلحين الفصيح، خاصة إذا كان المغني لا يتقن قراءة الفصحى ومخارج حروفها، والمعنى في الشعر المحكي مبسط ومفهوم أكثر مما هو عليه في الشعر الفصيح. فالمقطع الأول هو معرفة أكثر مما هو بوح فني، والمعرفة إذا طغت على فنية الصورة الشعرية، يكون الشعر "خاص" ولكن لا بأس إذا كان التلاقح التقني طاغيا بين المعرفة وفنية الصورة الشعرية، شرط أن تكون المعرفة مستترة، واللازمة الأيقاعية الفنية طاغية وظاهرة أكثر، لأن الشاعر هنا "يعزي النفس في موتها وهو حي" نتلمس هنا ان المعرفة طغت على موسقة الفنية الشعرية فأحالتها الى التصعيب والمبهم. بينما نجده في المقطع الثاني: "ذلولي هاجرت عمداً من الحيْ" يشرق في حلاوة الصورة بتصاعد شفاف ولذيذ مع تكامل الموسيقى الداخلية التي تنبعث صافية، وهنا ابتعد كثيراً عن ثقل الزج المعرفي على حساب الفني، فجاءت الصورة موحية لفهمها ودالة للمعنى، وفي الخاتمة أو ما تسمى بالقفلة يرمي الشاعر النسبة الأعم على الناس بـ " ولا يدرون أكثرهم أذيّة ". وهنا فهو يعمل بأصول الفلسفة "النسبة والمطلق" ولي أن أشير إلى إن لم تنقط التاء المقصورة في "أذيّة" فتكون هاءً مقصورة "اذيه"، لكانت أجمل موسقة وتقبلا ورشاقة، كون ان الأبوذية تعتمد على اللفظ السهل بدون تحريك أو وقوف، فتخرج المفردة في غنائها بأنسياب ناعم ومبسوط. ولكني واثق أن الخطأ الوارد ليس سببه الشاعر، بقدر ما هو خطأ فني شائع سببه الصف في دار الطباعة.

في ساحة للنار أجري مع الناس

أضحت وجوه العار مرفوعة الراس

يتناول الشاعر هنا فن الدارمي وهو جنس أخر من المربعات من الأجناس الشعرية المكثفة في معناها والقصيرة في الشكل والتركيب الفني، إلى مخاطبة المقدس "النار" بعد أن خاطب في المقدس الأول "الروح"، في المكان محاولا استدعاء فلسفة الخاص وربطه بالعام، وهي فلسفة منقحة ماركسياً، والغاية ليست في الإشارة الى الماركسية، بقدر ما أن الشاعر نجح في توظيف الخاص "أجري" التي تعبر عن الذات أنا، مع "الناس" العام، وهنا أعطى للمزاوجة الفنية قدرة في توصيل الايقاع الى السمع انسياباً خفيفاً، وهذه خاصية الشاعر كريم كاصد بالقياس الى الشعر، إنه موفق دائماً في نسج الصورة الشعرية فنيا قبل تركيبها معرفيا، ولعلمي أن كريم لا يفضل أن تكون الصورة الشعرية صورة مفلسفة على حساب فنيتها إلا في القليل من نصوصه التي تستدعي الضرورة في المعنى، لابأس أن تبوح الصورة الشعرية بالمعرفة، ولكن ليس على حساب النغمية، واختيار المفردة الناعمة، وهذا المقطع يحتمل تفسيرا مرتبطا ربطا واقعيا لما يجري في "ساحة" العراق موطن الشاعر، مشاركاً وأياهم الألم والخوف على مصير البلد، بعد أن: "أضحت وجوه العار مرفوعة الراس".

في مجموعتة الشعرية " وردة البيكاجي " الصادرة في دمشق 1983 عن دار العلم. أختلفت القصائد في الحدث والمتناول اليومي، فقد تلونت بلون المكان مع تباعد الزمن قليلا، فأقتربت قصائد المجموعة الى الواقعية وأبتعدت عن الخيال "الرومانسي" بطريقة أسلوب وتناول النص المفتوح على دينامية الحياة الثقافية الجديدة في المنفى، وبتقديري أن هذه الطاقة التحويلية عند الشاعر هي أفضل تقنية تتحكم بفعل إنتاج النص الشعري، وهذا بفعل القيمة الأسمى التي تحدد رعشة الرهص الأول، والتي تتواتر بفعل وجود الخميرة "الشعر" في ذات الشاعر، والتي تصقلها الخبرة والتجارب والموهبة المقرونة بالامساك في العناصر المؤدية إلى الحبكة الشعرية ، مستمدة موروثها من البيئة والطبيعة والتاريخ.

ولوعدنا إلى الزمن الأول بالمجايلة لبدايات الشاعر كاصد، لوجدناه شاعراً أطل من الجعبة الستينية الحالمة بالتنوير والتغيير، وهذا قد ترجم في البيان الشعري للشاعر المبدع فاضل العزاوي الذي كان يمثل الفكر التاريخي المغاير، وهذا الجيل قد اقترن بما تبقى من ذكريات النكسةِ العربية في حربها المدمرة مع اسرائيل، وهذه المجموعة من الأدباء تمثل جيلاً هو واحد من أجيال شعرية فاعلة أنتجت شعراء مهمين جداً: فاضل العزاوي ،عبدالكريم كاصد ،فوزي كريم ،عبدالقادر الجنابي السريالي الرائع، وقد تنور هذا الجيل بقوة بعد جيل الرواد الذي ضمّ ثلة نقية من الشعراء المجددين والمحدثين، في انموذج شكل لقصيدة عربية شاملة، تواكب القصيدة الاوروبية بخاصة، وهم بدر شاكر السياب.. وبلند الحيدري.. ونازك الملائكة. وعبدالوهاب البياتي.. ومحمود البريكان.. وصلاح عبد الصبور.. وشوقي أبو شقرا..

حوار

– هل تتذكر السجن

- ...

- وغرفه؟

- أضنها بلا أبواب

- وهل حيطانُهُ عالية؟

- وأظنُّ فوقها أسلاك

- وحينَ يُطلُّ علينا الشمس والغبارُ والنجم

والليل والطائر والانسان

ماذا ترى سيظنون؟

- سيظنوننا صغارا بحجم الهوام

تعبر هذه الابيات الشعرية عن اجواء روحية، تجمع الذات مع الصورة في حوارية، في مكان غير معلوم، ربما هو إعلان لثيمية الظلم وتداولها المعلن من السجان غير المعلوم. وفي هذا الجمع المقترن بالموسيقى تكشف هذه الأبيات عن فلسفة جمالية هي وحي خصوصية العاطفة والجمال، وعن جوهر اللغة في المتناول الايقاعي، مثلما تكشف عن وظيفة بلاغة الأدوات الواعية لنتاج مفترض، في عالم بعيد ومغلق عن العلاقات الانسانية المتحضرة، وكأن الحياة في هذا المكان المرعب بدت للشاعر بلا أمل، والفضاء الشعري هنا هو الماضي بكل إسقاطاته القاسية بفعل " هل تتذكر "، سواء كان هذا السجن سجنا حقيقيا أو سجنا مجازيا، بعبارة أخرى تجدنا أمام صور شعرية تخضع لسلطان المكان، في مناجاة تستدعي الخلاص من "الظن"، ولكن الصورة الشعرية معلنة فنيتها المشرقة للمتلقي، بفعل التلاقي الانفعالي في وجدان الصورة، وأنسيابها اللوني مع المكون الشفاف في المكان المحاط بالقيود، الذي يصنع الحركة مابين المضمون والشكل، مع أن الظن هنا يتوزع بين ظن أنا الذات " أظنها بلا أسلاك " وفي ظن الذات الثانية: " وأظن فوقها أسلاك " أما ظن الآخرين الغير محدودي الهوية، فهو ظن قاس ومؤذٍ في هذه الصورة: " سيظنوننا صغارا بحجم الهوام ". فالرؤيا هنا غير مستقلة كونها تخضع لمبدأ الحوار الموسوم بعذابات الروح الرافضة للأسلاك والهوام، وساحة السجن كراحة اليد والمقصلة وخواتم الهلاك، تلك الأدوات الرشيقة التي بنت القصيدة جعلت منها عملا فنيا متكامل الرؤيا والوضوح.

خرجنا من باب واحد

وسندخل من أَبوابٍ متفرقةٍ

جئنا بلا أمتعةٍ

وسنعود بلا أمتعةٍ

تحملنا القطاراتُ والسفن

ولا تحملنا أقدامنا المتعبة

من رآنا؟

نطوف العالم

كأنَّنا في نزهةٍ أبدا

إننا هنا أمام المكان المتحرك في زمان الشاعر، وكذلك أمام الحنين إلى استرداد المكان الاول، الباب الذي خرجوا منه مجتمعين، والشاعر هنا ينشد صورة الضمير الجمعي، ولو بحثنا بشكل دقيق في مضمون حساسية شاعرية كاصد في المنفى، لوجدناه يواظب دوما على ربط زمانه الشعري أو الأدبي بشكل عام كونه متعدد الكتابة الفنية بأمكنة لا يريدها الشاعر، وكأنها فرضت علية قسوة في مسرح خارج إرادته له منطقه وقانونه، وكل الأبواب قاسية على الشاعر وصحبه، باب الخروج، وأبواب الدخول المتفرقة. والابواب المتفرقة هنا هي تعدد أَمْكِنَة المنفى، وبالتالي هو موضعة البعد عن الاصدقاء والرفاق وحتى الأخوة، ونفي الشاعر عن وطنه بحكم أساليب قمعية وفاشية، هذا من جانب، ومن جانب آخر، تعدد أمكنة الشعراء هو ليس بالجديد الطارئ على الشعر العربي، " ولا سيما الشعر الجاهلي وما تلاه من شعر العصور الاخرى وشواهدُه وهي: الشاعر ابن الفارض.. امرؤ القيس.. عروة بن الورد.. المتنبي.. أبا فراس الحمداني وغيرهم كثر7". ولكن الجديد في عصرنا هو السفر بالقصيدة من دار منفى الى أخرى موسوم بـ " تحملنا القطاراتُ والسفن " أيْ بوسائط النقل الحديثة و ليس على الاقدام أوعلى الجمال أو الخيل. هذا جانب ايجابي يحيط بشاعر هذا العصر، لكن الذي ليس إيجابيا هو أن هناك شئ مسبق يصنع عذابات الشاعر، والدلائل التي تؤلم حرية الشاعر عديدة: وهي المكان.. أشباح السلطة الدكتاتورية: من الكاتم حتى المشنقة.. العوز المادي.. النظم الدينية المتطرفة.. الشكلانية المجتمعية المتخلفة. هذا سلخ حي يتلمسه الشاعر عبر مكوناته الثقافية الحسية وتنوعه المعرفي المختلف والمتنور. وإذا أَجلنا النظر في مضمون تركيب هذه القصيدة الفكرية لوجدناها تنسجم مع سفر الشاعر وتبدد استقراره، يقول: " جئنا بلا أمتعةٍ... وسنعود بلا أمتعة " وكأنه لا ينوي الحالة السكونية، إنما يروم إنطلاقه في تعدد المكان الى طموح ما، ربما هو الاحساس في الحركة فيه، وفي مكان آخر يؤكد العلانية لهذا السفر الذي لا يهدأ فيقول: "من رآنا نطوف العالم.. كأنَّنا في نزهةٍ أبدا ". ولكن تلك مشاهدة خارجية للصوره، في زخمها الدلالي المنظور، وإيقاعها المنبعث من الطقس المنعش للسمع، أما مفردة كأنَّنا والتي هي مفتاح الصورة ودلالة مضمونها تقودنا لغير جو النزهة، إنما هو حال مشبه في "من يرانا" والحقيقة لا تحمل للنزهة إلا التمني لاغير، لأن الشاعر أراد لهذه القصيدة الموغلة بالتشاور الايقاعي الحسي في شدوها المضمن برؤاها الداخلية، أن تكون خارج إطار المباشرة الفجة، بقدر ما أحالها إلى التنويع الذي يؤدي إلى التمعن في قراءة الصورة الشعرية من داخلها.

دقات لا يبلغها الضوء

ابتهاج الأعمى

أنا الأعمى

لا أحب الأشياء الساكتة إلى الأبد

ويغيضني الضوء

والضجيج العابر

لعينيّ مئات الأبراج

ولا برج لي

أرى سفينة ولا أرى مسافرين

أمواجا ولا أرى بحراً

وأنازل الظلام

بذراعين عاريتين

أنا الأعمى

أنهمر كالفرح

وأبكي

تتشكل هذه القصيدة من ستة عناوين وهي: ابتهاج الاعمى، نحلة الضوء، رثاء عين، ساعة البياض، قوس قزح، خاتمة. من ديوان: "دقات لا يبلغها الضوء، فصل المرض" الطبعة الاولى الصادرة عن دار الكنوز الادبية. كل هذه القصائد وجدتها تصب في ذات المحتوى، وتشترك في منظومة الوحدة الفنية التأملية، بتناغم الاسلوب المؤدي إلى بناء أستقلالي نوعي، الذي يوليه الشاعر أهمية واضحة. لا أمدح الشاعر إذا قلت أنني حين عزمت الكتابة عنه ودخلت إلى متحفه الشعري في سعته الخصبة، وجدت نفسي من غير أن اشعر انني أدخل إلى لعبة فنية ذات صناعة شعرية مهمة أكثر مما كنت اتصور. ربما النقد في كثير من الأحيان يكون غافلا، أو لا يقول الحقيقة كلها، لأنه قد يخاف صاحبه " نقد النقد " أو غضب الشاعر عليه، لذا يميل إلى الكتابة التوفيقية أو المبسطة، وهذه بحد ذاتها مشكلة اخلاقية يجب أن يتجاوزها الناقد مهما اختلف في مستواه الأكاديمي أو المعرفي. والشعر أيضا لا يقول الحقيقة كلها، إنما يمتلك جزءها الأكبر، خاصة إذا كان الشعر منبعه التخيلي الفكري مبنيا على صناعة تقنية بحرفية ذكية وعالية الدقة والاحساس، وهنا يتكون سلطان الابداع الجمالي في المكون الفني للصورة الشعرية التي تؤثر في عصره والعصور القادمة.

في هذا الجزء " ابتهاج الأعمى " من قصيدة " دقات لا يبلغها الضوء "، تتشكل النواة في صناعة المعنى فكرة تلو أخرى، فهي تبحر بألوانها الجمالية لمنح النسغ الاساسي للفكرة، عبر النسق اللغوي إلى مطارحة تتشاكل فيها المعاني على طريقة تضاد الصورة فنياً، إلى نسق آخر يبوح بصورة الأنطباع الأول، ونهوض الصوت الواحد وكأنه يحذف صوت الغائب في تجسيد للأنوية المطلقة في البحث، ومحاكاة عناصر الطبيعة ومكوناتها "الغائب" فيما يدورحوله من ملابسات الشكل والصورة، وانعكاساتها على الأعمى بومضات متلاحقة الأيقاع والتأثير، بينما هو متلقٍ غير صاخب وهدوءه يتأتى من هدوء الصورة الساكنة، مع أن الشاعر حاول أن يجعلها أكثر إيلاماً في وضوح تأثيرها على الأعمى، خاصة في تأثير " أنهمر كالفرح " فقد ولدت هذه الجملة ذات الأيقاع المتحرك لتكون تارة في بداية الجزء الشعري مضموناً، وتارة في الوسط لتوازن المعنى، وكما وضعها الشاعر في الاخير شكلا مؤديا محورياً، فوجود هذه الصورة البلاغية جعلت منها المركز المعرفي الدقيق في نسج المُرَكَب الفني، وبالتالي تكون مصفاة لبنية القصيدة الدالة، كونها تشي بالموازي الدلالي "للفرح"، وكما يسميها "ريفاتير" "مفتاح الدلالة" حيث يقول: "إنها نقطة تقاطع الدلالات الجزئية في المجال القياسي، حيث تختزل الدلالة الكلية في كلمة واحدة أو في جملة واحدة" وفي ذات النسق تكون هذه الجملة الوسيط الحيوي لتهدئة الصوّر المتلاحقة التي أراد لها الشاعر أن تكون عنيفة ومتصاعدة في غنائها المقدس، ولكن لهذه الصورة الشعرية إيقاع آخر سنأتي عليه لاحقا.

إذا أخذنا تجانس عناصر الرؤية المفتوحة على تكوين النص الشعري، دون الغرق في الاضداد كما ورد في الجزء الاول الأعم من القصيدة، نفرز جدلا غير موفقٍ في تكوين أنسجة التقابلات الإيمائية كما أراد لها الشاعر أن تكون، والتي تبحث عن عناصر التشابه ولم تجدها، والصوت هنا يتدرج في حالتين في تكوين الذات، صوت يعلن عن الرفض في " لا أحب الأشياء الساكتة إلى الأبد " بينما الفلسفة تقول " كل شئ في الحياة متحرك " مع أن المفارقة في وضعه واضحة المسافة بين الاشياء الساكتة والرفض، وهو التعبير عن الرغبة الداخلية بين مهمة الشاعر اتجاه الاجتماعي العام ورغبته الفردية، لكن أيضا يحق للشاعر أن يتجاوز المألوف الفلسفي أو غيره، ويستمد الصورة الشعرية من المكونات الخيالية والرؤى التي ينسجها الحوار التصويري عبر النص الحسي أو الذهني الخاص. بينما هو في الصوت الثاني " لعينيّ مئات الأبراج " يقول: " ف. د. سكفوزنيكوف أن اساس الشعر الايحائي يتمثل بالفكرة المتوترة بصورة إنفعالية، تصاغ في صورة لفظية خاصة، في صورة من المعاناة المباشرة. 8" والشاعر هنا يختار لحظة تخيلية يعترف ضمنا بأن مدياته مفتوحة الرؤى وهو تواق للإمساك بها، وكأنه يمسرح صورة مطلقة للتفاؤل والتمني، لأن السؤال يظل منتظرا جواب الذات، والأعمى المفترض يرى سفينة لكنه لا يرى مسافرين، هذا الربط الدلالي يوصلنا إلى فلسفة الشاعر المختصرة، الذي يرى موجاً لكنه ثانية لا يرى بحراً، إذن مهمة الابداع هنا هي إضافة التمييز في كل وحدة قائمة بحد ذاتها بعلاقتها الخاصة بالنص، والشاعر الذي أراد أن لا يطلق لثقافته ومعرفته أن تكشف عن المُباشرة، جعلها تأخذ إستعارة العمى، لكنه يتألم في " أنهمر كالفرح " " وأبكي "!!

خاتمة

عيني التي أضعتها، كملكٍ أضاع عرشه

في ليلة حالكة

آه لو أجدها ثانيةً لأضعها في القلب

العنوان الأخير "خاتمة" من قصيدة "دقات لا يبلغها الضوء"، رغم قصر هذه الخاتمة في مسكها إلا إن فيها الكثير من التكثيف التنويري الداخلي الذي انعكس جليا على الشكل، والالتقاط الفني لكل مفردة تجانس أختها من بقية المفردات في تشكيل الجملة التي تعني بإطلاق المعنى على حساب اللفظي الغنائي كما هو الحال في الجزء الأول "ابتهاج الأعمى"، "عيني التي أضعتها،.." مبتدأ الوصف لأصابة العين أو النظر بحالة ما، والمعنى هنا لا يتعدى محنة الراوي بل يكرس هذه المحنة ويوصلها بوصفية العرش المفقود في استكمال المقطع الشعري الأول فيقول .."كملك أضاع عرشه" إذا كان المعنى "من كل شئ محنته" كما يقول الخليل بن احمد الفراهيدي. وإذا "النص محكوم بالمعنى" كما يقول ميرلو بونتي. هذا إذا اعتبرنا جازمين أن النبض الحتمي يترتب على مثل هذه النظرة التقليدية لسيادة المعنى الواحد، وعلى أساس هذا المتكأ البنيوي التأملي وجدنا الشاعر قد جعل من المعنى وعياً ليكون مصدرا للدلالة التي تؤدي بوح النص وأدائه الإحساسي اللازم عبر تقنيته الموفقة وبسطها للآخر المتلقي، والمعنى هنا وفي كل الاحوال ليس بالضرورة يعبر حرفيا عن ذاتية الشاعر أو هويته أو مشبهاً بحياته اليومية.

أن المغايرة الفنية المتوالية في القصيدة الواحدة تنشئ حقيقة أمام المبدع، هو سعي الشاعر إلى تأكيد سيطرته على لعبة المعنى، وجعله الدليل القادر على أن يجمع بين المسار التوصيلي وبين التفاعل الداخلي في هرمونية النص، حيث يستمر الشاعر يبحث عن "النظر"، والذي أشار إليه في جزء "ابتهاج الاعمى" بالعمى، صوت واحد يتكرر يستحضر التمني دائماً، ويلوم الضياع ويركز عليه يحمله مسؤولية ضياع عينه في الظلمة، والظلمة من المقدسات الحياتية ولكنها عند البشر مكروهة وغير محببة كونها تشي بالخوف وتمنح الجريمة على مسرح المكان والزمان المؤسس، والظلمة بكل الاحوال تعكس مضمونها حيث لا تتطلب كثيرا من الاجتهاد، ولكنها ضمن المقدسات الحياتية، والشاعر هنا يتكئ على تجربة شعرية مهمة خاصة في هذا النص إذا ما أخذنا قياسها بالوسط الشعري العربي والعالمي، رجوعا إلى بدء: "آه لو أجدها ثانية". تجده هنا يعتمد على التمني في التتابع المنطقي للأفكار، الذي ينم عن الشعور المحدد من خلال العناصر الايحائية الخالصة، ويستكمل الشاعر رؤاه البحثية عن العين التي أضاعها، فهو يعد في حال ما أن يجدها يضعها في القلب.

عراقيون

هل أبقَوا على شيءٍ تكسّر في الطريق؟

أَخلّفوا أمواتهم يبكون

وانتظروا مجئ الله؟

هل أغفَوا على طرْقٍ خفيفٍ مثل وخْز النار؟

هل عادوا على آثارهم يمشون؟

عراقّيون

عراقّيون

لغْطٌ كالحصى ينداح

تذكر صرخةَ الأطفال في خانٍ تهدّمَ للهنود؟

قوافلَ الأغراب في البصرة؟

والاشباحُ تمضي بالسراويل الطويلةِ واللحى البيضاء

أغراب

عراقّيون

ماهي طبيعة الوعي الجمالي الحداثي في المشروطية التاريخية؟ وما علاقتها بتلك المستويات الحسية؟ وعلاقة النص بالآخر؟ بتقديري هنا تتشكل المنظومة الفكرية في التشكيل العام للوحدة التجانسية الفنية، التي توعز رؤاها من خلال السمات الحسية وأثرها على الآخر. يمكننا القول أن الشاعر هنا يتناول الظواهر والأشياء من خلال التتابع المنطقي للأفكار، لأنه أي الشاعر يعيش لحظات التجلي، مابين اللغة والتعبير الإيْصَالي، في صناعة جملة متآزرة في فنيتها وإيقاعها، وجرس الكلمة في وحدة المعنى، ذات المساحة الفنية الواسعة، وبهذا الأكتمال بإمكاننا أن نسميه الشعر الصافي. يقول د.محمد مندور عن الشعر الصافي: " هو الشعر المكتفي بجمال عناصره الذاتية 10". فتناولي لهذه القصيدة الطويلة، من ديوان: "نزهة الآلام" الطبعة الاولى عن دار صحارى للطباعة والنشر. والتي سوف نأتي لاحقاً على كشف متناولاتها وتشكيلها الدال في الجمالي الشعري - الداخلي والشكلي- نجد الشاعر على غير عادته يكتب مطولته الشعرية قياسا لقصيدته القصيرة بشكل عام. يتحدد طول وقصر القصيدة من تشكيلات الموضوع فنيا ومعرفيا من خلال طبيعة المادة المتناولة، فالقصيدة العاطفية غالباً ما تكون قصيرة ومتوسطة، بينما القصيدة السياسية والاجتماعية يغلب عليها النفس الطويل، كما هو معروف عند الشاعر بدر شاكر السياب ونازك الملائكة والجواهري ومحمود درويش وعباس بيضون، ولكن القصيدة سواء كانت طويلة أو قصيرة تحدد في النص العام بالمعنى وطبيعة المتناول الفكري.

وقصيدة "عراقيون" سياسية أتت ممتلئة بالأيحاءات، ومحمولة على التعامل مع الاشياء في الواقع الاغترابي -المنفى- يغلب عليها الجانب التصويري الذي يشع في اتجاهات تعبيرية متعددة، ولكنها لا تقوم على التجادلات والتناقضات كما هو الحال في القصائد السابقة، وهذا المقطع المأخوذ من قصيدة "عراقيون" هو مبتدؤها ولكننا سوف نطول أغلب مضامينها الفكرية والحسية.

أعتمد الشاعر على بناء الصورة في هذه القصيدة على خلفيته التعبيرية، مركزا على الداخل النغمي والتنوع الجمالي لموسقة تركيب البناء الخارجي، وهذا بتقديري أهم وأغنى البناءات لأيقاع الوحدة التجانسية الفنية لعموم تركيبات القصيدة، وهو تحسيس سمعي للإنفعال الذي تترابط به الجمل الشعرية بنسيج صوتي واحد، ينظم الشكل الايقاعي من منظور التداخل والتبادل الحسي.

في الشطر الأول "هلَ أبقَوا على شئ تكسّر في الطريق؟" البنية الفنية العامة هنا هي بنية أيقاعية ذات تأثير عاطفي عالي التركيز من خلال النبوغ البلاغي للمعنى الدال على التفاعلي ، حيث يبدأ التشكيل هنا من السمات الحسية الخاصة مؤكداً وجود صورة الظلم السياسي والضياع للعراقي، على خلفية ما بنته النظم العربية الاستبدادية من تهميش وملاحقة السياسي والمثقف بآن وزجه في السجون الأبدية. ومقتطف الصورة من بدء الشطر الأول أتى: "هلَ أبقوا على شئٍ" وهذه محمولة وملابسة للمعنى الدال على الاشياء التي تتحمل عذابات العراقي، مما جعل من تكملة الشطر ب "تكسّر في الطريق" تشع في اتجاهات تعبيرية محكمة عبر بداية الصورة المتناظرة.

هل التسليم دائما إلى "الله" حكمة أم هو الخوف من المجهول الغيبي؟ بتقديري أن الكثير من المثقفين الوجوديين يخافون الله لا لسبب وجوده وآخرته إنما هو الخوف من: قد يكون الله فعلا موجود. لذا تجدهم يرمون المصاعب والألام والفشل السياسي والخيبة في تحقيق السلام للبشرية والأنكسار أمام الحاكم الجائر وغيرها من الكوارث بحضن الله، ولكن كيف إذا لم يأت الله؟ عبر مناجاة الشاعر له في: "أخلّفوا أمواتهم يبكون = وانتظرو مجئ الله؟" والسؤال الذي يطرحه الشاعر هنا يتوزّعهُ الشك واليقين معاً، والتناقض هنا هو كون الشاعر رسول البشرية خاصة إذا كان الشاعر ذا معرفة دقيقة وعالية في تحليل وفك رموز وتفسير الوجود، إذن ما قيمة الهروب إلى الأمام أمام الله؟ لندعه لا شأن له فينا، شأنه في ذاته الافتراضية، والحكمة أساسها الأنسان وليس الغيب، لأننا وببساطة مطلقة عرفنا الحكمة والكواكب والطيران والنور وما في باطن الارض من كنوز، من الأنسان وليس من الغيب. ولا أنوي هنا القول أن الشاعر عبدالكريم كاصد وجودي، بقدر ما هي إشارة تلامس البيت الشعري المعرفي ورأي الناقد بالمطلق.

"هل" هذه الكلمة الإشارة إلى الجلالي الذي يربط بين الفنية والمعرفية التي تشترك بمبتدأ الصورة في الجمل الأولى، قد نقول أن البناء العام لهذا النص الشعري يكمن في السؤال المحوري الذي يتابع متباعدات حركة التجوال للعراقي في المضمون العام لقصيدة "عراقيّون" من منظور التأثير الحسي والتاريخي على المتلقي، سبق أن قلت أن الشاعر عبدالكريم كاصد يختار الكلمة بعناية فائقة فنجدها تتلاءم مع موسيقى البناء العام وتسهيل الدلالي للمعنى، "هل أغفَوا على طرْقٍ خفيفٍ مثل وخْز النار" هذه الجملة الشعرية تستدعي تداعيات الماضي من موسيقى محورها "طرْقٍ حفيفٍ"، إلى ما يحمله ذلك الماضي من تحطيم للفكر وحرية الرأي والتعبير، والماضي يدخل في حاضر اليوم بقوة ويسخر من الأفكار النبيلة.

أما السؤال "هل" في الشطر الجديد، يدلنا على أن الشاعر استخدم اللحن الداخلي هنا، ووظفه توظيفا لخدمة المعنى، فاستخدم "هل" الثانية لامتداد الصورة الشعرية التي تبوح بالهم الذاتي للعراقي. لا يخفى أن هذا الايقاع لـ"هل" يتداعى ويتلاقى في أحاسيس لا يمكن إلا أن تكون همزة الوصل التنويري بين المعنى وتركيبات المتنفس الشعري، الأمر الذي أخذ صورة الغياب المطلق المحرض بعدم الإهتمام بتدمير العراقي من قبل النظام الصدامي السابق، إلى الحضور المطلق في المنفى المحير، إذن هي صيحة عذاب تدل على عذابات العراقي من الألم الذي أثارها حين : "عادوا على آثارهم يمشون" وبذا يظل الواقع يقوم على الألم نفسه كلوحة تتجاذب فيها الافكار والعواطف بتصاعد لحني أثارها الألم.

تستمر القصيدة في سياقها العام كمنظومة قيمية تدل على الاجتماعي السياسي المهمش الذي يتمتع بالقيمة الكلية الاسمى بمحتوى الشخصية العراقية العميقة، والنص الشعري هنا تأكيد دلالي يشكل الخميرة المبثوثة من الرعشة المتواترة في الإنجاز الشعري، حتى وإن كانت تفيض على هيئة تجليات، إلا إنها منفتحة على عذابات الصورة المحكمة، لهذا العراقي عبر مضمونها الأنساني المطلق بالعفوية والتأثر.

يقودنا هذا التوتر العاطفي في شخصية العراقي الثرية في المحتويات، إلى إنها شخصية متمردة ومعارضة لهذا السائد أو ذاك من النظم الجائرة في الواقع. تقول القصيدة: " عراقّيون في ليل المذابح يضرمون النار " إذن هو التمرد لأنجاز ممكن التكافؤ وإن كان نسبياً في " وانتعلوا خفاف الطين.. موكبهم تفرّقَ " بيد أن الغاية هي السلب والإيجاب وإن أختلفا في الوحدة التاريخية فإن المحتوى أولانياً في الغالب الأعم.

يتبع ...

المصادر

1– د. غالي شكري- المنتمي

2– انظر: افلاطون – مينون 98 – 99

3– نفس المصدر

4- افلاطون: ايون 534 وانظر كذلك 533 و536

5- كروتشيه: Cf.B.Groce,Op.Cit.p.2.8.39

6- محمد غنيمي هلال – النقد الأدبي الحديث

7- نفس المصدر

8 ابن الفارض- يوسف سامي اليوسف

9- ف. د. سكفوزينكوف " الشعر الغنائي " ترجمة د. جميل ناصف التكريتي.

10 محاضرات في الشعر المصري بعد شوقي.